معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 711
ويلزم من انفصال جزء من ذاته ليكون ولدا له، أن يكون هذا الجزء متّصفا ببعض صفات أصله في أدنى الحدود، وأن تكون له ربوبيّة ما، وإلهيّة ما، لكنّ اللّه عزّ وجلّ ليس كمثله شيء، فهو- جلّ جلاله وعظم سلطانه- لا والد له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، ولا ندّ له، سبحانه وتعالى عن المثيل والشّبيه والنّظير، وعن أن يكون جزءا منفصلا عن غيره، وعن أن ينفصل عنه جزء بالاشتقاق أو بالتّولّد وبالتّناسل، أو بغير ذلك، ومن زعم شيئا من ذلك كان بربّ الكون كلّه كافرا، لأنّ ما زعمه مخالف للّه ربّ العالمين.
إنّ كلّ ذي حياة في الوجود كلّه سوى اللّه عزّ وجلّ، هو عبد من عباد اللّه، مخلوق للّه بأمر التّكوين، فكيف يكون ولدا له وجزءا منفصلا عن ذاته.
لكنّ متّبعي أهوائهم وشهواتهم من أفراد الإنسان، يريدون أن يصطنعوا لأنفسهم أربابا من دون اللّه على ما يشتهون، وأن يجعلوا لهؤلاء الأرباب من الصّفات والمطالب ما يوافق أهواء نفوسهم الجانحة الجامحة، وهذا منهم غلوّ في الكفر لستر الحقّ الرّبّاني، ولمّا كان أكثر أفراد الإنسان من هذا الصّنف الجاحد الكفور الغالي في الضّلال، كان من المناسب والأمر الحكيم وصف الإنسان بأنّه كفور مبين، أي: كفور ظاهر الغلوّ في الكفر والجحود.
الكفور: صيغة مبالغة لاسم الفاعل"كافر".
الكفر: يأتي في اللّغة بمعنى جحود النّعمة، وهو ضدّ الشّكر، وأصل"الكفر"في اللّغة تغطية الشيء تغطية تستهلكه، وكلّ من كفر شيئا فقد ستره، ولهذا يقال للزّارع"كافر".
فالكافر في الدّين هو الّذي ستر أدلّة الإيمان وجحدها بعد أن وضحت له.