معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 712
وبعد بيان أنّ انفصال جزء من اللّه عزّ وجلّ مرفوض عقلا، لأنّ الأزليّ الأبديّ لا يمكن أن يحصل تغيّر في ذاته في موازين العقول ومقاييسها، أبان اللّه تبارك وتعالى فساد احتمال أن يتّخذ اللّه لنفسه ممّا يخلق أولادا بالتّبنّي، من خلال استنكاره الشّديد على الّذين زعموا أنّ الملائكة بنات اللّه، فقال اللّه تعالى:
* أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (19) :
* أَمِ هذه"أم"المنقطعة بمعنى"بل"وتدلّ على الإضراب الانتقالي، ويلازمها معنى الاستفهام، والاستفهام إنكاريّ توبيخيّ هنا.
أي: بل. اتّخذ اللّه ممّا يخلق في كونه بنات، وتبنّاهنّ أولادا له، وهنّ خلق من خلقه، وعباد من عباده؟!!!
* وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ: أي: وآثركم بالبنين؟؟! تقول لغة:"أصفيت فلانا بكذا"أي: آثرته به على نفسك.
وأعرض اللّه عزّ وجلّ عن مخاطبتهم، فقال ملتفتا عنهم، للتّعجيب من أمرهم:
* وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) :
أي: يجعلون أولاد اللّه ربّهم ملائكة إناثا، مع أنّ الواحد منهم إذا بشّر بمولودة أنثى له، ظلّ طول نهاره كالح الوجه، شاعرا بأنّه كالمسخّم وجهه بالسّواد من سوء ما بشّر به.