معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 726
أي: لم أنتقم منهم إذ أهملت أجيالهم المتأخّرة وصيّة جدّهم إبراهيم ونبذوا العمل بها، بل متّعتهم متاعاتهم المقسومة لهم من الحياة الدّنيا، ولم أعاقبهم على شركيّاتهم الّتي أدخلوها إلى مجتمعاتهم، إمهالا لهم في ظروف الحياة الدّنيا، حتّى تفاقم أمرهم في الشّرك والجاهليّات المختلفات، واقتضت الحكمة أن أرسل خاتم المرسلين محمّدا رسولا منهم مبينا للحقّ بلغتهم، فأبان لهم الحقّ الّذي كان قد وصّى به جدّهم إبراهيم أوائل أجدادهم، وأوصاهم بأن يتوارثوها جيلا بعد جيل، وأن يوصي بها كلّ جيل سابق من يليه من الأجيال.
ولمّا جاء قريشا الحقّ من ربّهم ببعثة محمّد، وتلا عليهم ما أنزل اللّه عليه من قرآن نجما بعد نجم، وأدهشتهم بلاغته وكمال بيانه، قالوا:
هذا سحر.
ولمّا كان ما اشتمل عليه القرآن مخالفا لأهوائهم، وانطلاقهم في فجورهم، ورغباتهم في الظلم والعدوان، والإثم والفسوق والعصيان، قالوا: إنّا به كافرون.
* مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ: أي: جعلت هؤلاء الأحياء من قريش وآباءهم المشركين مثلهم، ينالون ما قسمت لهم من متاعات الحياة الدّنيا في رحلة امتحانهم، ولم أهلكهم إهلاكا جماعيّا مستأصلا، لأنّهم لم يصلوا إلى دركة الإهلاك العامّ المستأصل في الدنيا، أمّا كفرهم بالحقّ فسوف ينالون جزاءهم عليه يوم القيامة.
* حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ: أي: واستمرّ إمدادي لهم بمتاعاتهم من الحياة الدّنيا، حتّى بعثت رسولي محمّدا، وجاءهم الحقّ بلاغا على لسانه، وهو ما سبق أن أوصى أوائل أجدادهم به رسولي إبراهيم بلاغا عنّي.