فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 735
فالمعنى: ومن يجعل بإرادته الحرّة على بصر بصيرته غشاوة، تجعله كليلا ضعيفا عن الرّؤية في ظلمات أهوائه، فيعرض بسبب ذلك عن التّفكّر في آيات الذّكر الّذي أنزله الرّحمن لهداية عباده، وينصرف عن مواطن تدبّرها، متّبعا أهواءه وشهواته ولذّاته من دنياه، نهيّئ له ضمن مجاري سنننا في عبادنا الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الامتحان، شيطانا من شياطين الجنّ، وقد يكون من شياطين الإنس أيضا، فهو له مصاحب ملازم، كأنّه مشدود به بالحبل الّذي يشدّ به الأسير، فيأنس كلّ منهما بقرينه، ويستمتع به، ويشتركان في البعد عن صراط اللّه، وفي الانغماس في معصيته، وثبت في صحيح مسلم وغيره، أنّ مع كلّ إنسان قرينا من الجنّ.
قول اللّه تعالى متابعا بيان تأثير القرناء من الشّياطين في الّذين يعشون عن ذكر الرّحمن:
* وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) :
جاء التّعبير هنا عن جميع الشياطين، الّذين يكونون قرناء للّذين يعشون عن ذكر الرّحمن، للتّنويع في البيان، ولتوكيد اتّصافهم بصفة مشتركة عامّة.
وجاء البيان مؤكّدا ب"إنّ- والجملة الإسمية- والّلام المزحلقة"أي:
وإنّ القرناء من الشّياطين، ليمنعون ويصرفون قرناءهم الّذين عشوا بإراداتهم الحرّة عن ذكر الرّحمن، عن السّبيل الذي هو سبيل اللّه، الموصل إلى النّجاة والفوز بالخلود في جنّات النّعيم.
يقال لغة:"صدّه عن كذا"أي: منعه وصرفه عنه.
والمصدودون عن سبيل اللّه يظنّون ظنّا ضعيفا ساقطا لا قيمة له أنّهم مهتدون، إلى ما يحقّق سعاداتهم.