معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 753
انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (56) :
* وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ: يظهر أنّ فرعون علم أنّ المصريّين بدؤوا يتأثّرون بموسى وبالآيات الباهرات الّتي أجراها اللّه له، فحشد حشدا عاما كبيرا، وخطب فيهم خطبة العرش الفرعوني، فكان ممّا جاء في خطبته لتثبيت ملكه، وإبعاد تأثّر جماهير قومه بموسى وبالدّين الّذي يدعو إليه، وأراد بمكره أن يجعل خلافه مع موسى تنافسا على الملك، فحاول أن يستعطفهم لإخلاص ولائهم لملكه وسلطانه في مصر:
(1) قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ:
* يا قَوْمِ يستعطفهم بهذا النّداء بأنّهم قومه، هو مصريّ وهم مصريون، أمّا موسى فهو إسرائيليّ مهاجر، ومن قوم هم عبيد لكم. وذكر أنّ هذا الملك كان"منفطاح الثاني"بن"رعمسيس الثاني".
* أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي: استفهام مسلّط على النّفي، وجوابه:"بلى"المثبتة أنّ له ملك مصر، وأنّ الأنهار الّتي تدلّ على عظمة قصره الملكيّ تجري من تحت قصره، ويظهر أنّها فروع من النّيل أجراها له المهندسون والبنّاءون تحت شرفات قصره.
أي: أَليس لي ملك مصر ميراثا عن آبائي الملوك المؤيّدين بالقوى الغيبيّة، فلا تتأثّروا بما يجريه موسى من سحريّات، لينتزع الملك من أصحاب الحقّ فيه الموروث عن ملوك عظام.
ومن مواريث ملكي العظيم قصري العظيم الّذي تجري الأنهار من تحت شرفاته.
* .. أَفَلا تُبْصِرُونَ (51) ؟: أي: أَفلا تبصرون هذه الأدلّة الملكيّة الّتي تجعلني وأسرتي أصحاب الحقّ في ملك مصر، الّذي لا حقّ لأحد أن ينازعني فيه، مهما قدّم من سحريّات كبيرات.