معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 755
من ذهب. فإن لم يكن هذا وادّعى أنّه مبلّغ دين فقط عن ربّ العالمين، فهلّا جاء معه الملائكة مقترنين يبلّغون دين ربّ العالمين معه ويشهدون له بأنّه رسول ربّ العالمين.
من الظّاهر أنّ فرعون اعتمد أسلوب المغالطات في إقناع قومه المصريّين بأنّ موسى عليه السّلام، يسعى إلى انتزاع الملك من أصحابه الشّرعيّين فرعون وأسرته من قبله ومن بعده، وأنّ قضيّة الدّين الّذي يدعو إليه قناع يستخفي به، وأنّ الخوارق والعجائب الّتي أتى بها نوع من أنواع السّحر.
ومن الظّاهر أنّه وجد جماهير قومه من المصريّين ليس لهم وزن فكريّ ثقيل، يستطيعون به إدراك سفسطاته ومغالطاته، ومن الظّاهر أيضا أنّه نشر أعوانه لاسترضاء زعماء قومه بما يحبّون من أهواء وشهوات، لما يعلم من أنّهم عبيد أهوائهم وشهواتهم فهم ينجذبون إليها بخفّة، وينبذون منطق الحقّ والخير والرّشد والفضيلة.
فجاء قول اللّه تعالى مبيّنا هذا الواقع:
* فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (54) :
أي: فعمل فرعون بحيله المغالطيّة، ووسائله الإغرائيّة، الّتي جعل بها قومه غير ذوي أوزان فكريّة، وغير ذوي أوزان اتّئاديّة، تريّثية، متأنّية، تتربّص حتّى تفكّر وتدرك غرض فرعون من حيله ووسائله.
فاستخفّ قومه فكريّا ونفسيّا، فانجذبوا إليه، فأعلنوا طاعتهم له، طمعا بما وعدهم به من مغريات، وفتح أبواب أهوائهم وشهواتهم وأطلقهم في أوحال الفسق، فتبعوه منطمسة بصائرهم، إنّهم كانوا قوما فاسقين.
الفاسق: هو الّذي من عادته الخروج عن الحقّ والواجب والخير والفضيلة، اتّباعا لأهوائه وشهواته ورغباته من متاعات الحياة الدنيا.