فهرس الكتاب

الصفحة 8170 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 778

* لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (78) :

أي: لقد جئناكم بما بلّغكم إيّاه رسولنا في القرآن وفي غيره بالحقّ الثّابت، من قضايا الإيمان، وقضايا السّلوك الجسدي والنفسيّ والفكريّ، ودعوناكم إلى اتّباعه، والتّمسّك به، والتزام صراطه المستقيم، ولكن لم تستجيبوا بعد معالجة طويلة عالجناكم بها بالإقناع وبالتّرغيب، وبالتّرهيب وبالجدال بالّتي هي أحسن، لما دعوناكم إليه، والسّبب في عدم استجابتكم أنّ أكثركم يكرهون الحقّ الّذي جئناكم به، ودعوناكم إلى اتّباعه، وفيكم من لا يكرهون هذا الحقّ، إلّا أنّهم متأثّرون بقادتهم، وبغوغائيّة جماهير أتباع قادة مجتمعهم.

أمّا الّذين يكرهون الحقّ، فكراهيتهم له إنّما هي بسبب أنّ التزام الحقّ يحرمهم من تحقيق كثير من أهوائهم، وشهواتهم ولذّاتهم ورغباتهم من متاعات الحياة الدّنيا، وهم حريصون عليها، وهذا الحرص يغشّي على بصائرهم، فيجعلهم لا يرون الحقّ رؤية صحيحة، ثمّ يجعلهم يعرضون عن مواقعه، ثمّ يدبرون عنها ويتولّون.

ثمّ التفت البيان الرّبّانيّ عن مخاطبتهم، وتحدّث عنهم بضمير الغائبين، مبيّنا أنّهم يبرمون مكايد ضدّ الرّسول وضدّ دعوة الحقّ الّذي يدعو إليه، وأنذرهم اللّه جلّ جلاله، بأنّه يبرم ما لا يستطيعون دفعه، لإحباط مكايدهم، ونصرة دينه ورسوله والّذين آمنوا به واتّبعوه، فقال اللّه تعالى:

* أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) :

"أم"في الموضعين للإضراب الانتقاليّ بمعنى"بل"مع استفهام يشعر بأنّهم يبرمون أمرا ما ضدّ دعوة الحق وضدّ الرّسول والمؤمنين، ويشعر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت