فهرس الكتاب

الصفحة 8245 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 20

وقد سبق بيان ما يكفي بشأنها في أوّل سورة (القلم/ 4 نزول) فليرجع إليه.

كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ: أي: ما يوحى إليك من آيات ربّك البيانيّة، هو كتاب أنزلنا بعضه إليك، وسننزل سائره، الّذي تمّ بتقديرنا وقضائنا أن ننزله، فهو بحكم المنزل، لأنّ ما قضى اللّه فعله مستقبلا متحقّق الوقوع حتما، وما هو متحقّق الوقوع مستقبلا يصحّ التعبير عنه بأنّه وقع.

من أطلق قذيفة بتسديد دقيق جدّا، يقال بشأنه أصاب الهدف، ولو كانت قذيفته سائرة في الجوّ لم تصل بعد إلى هدفها.

لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ:

أي: لتخرج من يستجيب لدعوتك ويتّبع آيات هذا الكتاب، من الكفر وسبل ضلالاته في الفكر وفي السّلوك، الّتي تشبه الظّلمات؛ إلى الإيمان بالحقّ المنزّل عليك من ربّك، وإلى الالتزام بصراط اللّه المستقيم في الفكر وفي السّلوك، وهما يشبهان النّور.

ففي استعمال الظّلمات للدّلالة على أنواع الكفر وسبل ضلالاته، واستعمال النّور للدّلالة على الإيمان وصراط اللّه المستقيم الواحد، استعارتان أصلهما تشبيه حذفت منه أداة التّشبيه ووجه الشّبه والمشبّه، وبقي المشبّه به، وهما الظّلمات والنور.

ولمّا كان خروج المستجيبين من الظّلمات إلى النّور عملا إراديّا من ذوي إرادات حرّة، وكان اللّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- مهيمنا على كلّ الوجود في كلّ حركاته وسكناته وفي كلّ تصاريفه، كان تمكين ذوي الإرادات الحرّة من القيام بأعمالهم خاضعا لإذنه، فجاءت عبارة:

[بِإِذْنِ رَبِّهِمْ] قيدا دالّا على هذه الحقيقة.

أمّا الأعمال الّتي تظهر دون توسّط ذي إرادة حرّة من عباد اللّه، فهي تتمّ بتقدير اللّه وقضائه بصفة جبريّة، وبإذنه إذا كان لها قانون ثابت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت