معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 51
مغنون عنّا: أي: صارفون عنّا، أصل معنى"أغناه": كفاه. وحين تكون عند الحاجة إلى دفع مكروه يضمّن الفعل معنى الكفّ والصّرف فيعدّى تعديته بحرف"عن"، فيقال:"أغن عنّا شرّك"أي: كفّه واصرفه عنّا.
قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (21) :
أي: قال الّذين كانوا مستكبرين متبوعين في الدّنيا: لو حكم اللّه اليوم لنا بالهداية لكنّا باتّباعكم لنا في الدّنيا هديناكم، ولكن حكم اللّه علينا وعليكم بالضّلال، ولم يكن لكم عذر باتّباعنا، بل كنتم تتّبعون أهواءكم وشهواتكم الّتي وجدتموها عندنا وفي مسالك غوايتنا.
فسواء علينا اليوم أجزعنا وأظهرنا سخطنا على أنفسنا بالصّياح والعويل والبكاء، أم صبرنا وصمتنا، ما لنا من مكان نحيد ونعدل ونهرب إليه.
يقال لغة:"حاص عن الشيء، يحيص، حيصا، ومحيصا، وحيصانا"أي: حاد عنه وعدل.
للّذين استكبروا: أي للّذين كانوا غلاة مبالغين في تكبّرهم، بما آتاهم اللّه من مال وصفات يتكبّرون بها على جماهير قومهم.
ولمّا كان الشّيطان قائد غواية وتضليل في حياة الامتحان في الدّنيا، فمن شأن الّذين كان الشّيطان في الدّنيا قد أضلّهم وأغواهم، أن يوجّهوا له يوم القيامة أنّه كان السّبب في إغوائهم وإضلالهم، فليحمل عنهم نصيبا من العذاب الّذي قضي به عليهم. فيدافع الشّيطان عن نفسه بما جاء في الآية التّالية:
وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي