معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 89
وجاء في تفسير"الرّجز"بضمّ الرّاء أنّه عبادة الأوثان، أمّا"الرّجز"بكسر الراء، فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس قال:"كلّ شيء في كتاب اللّه من الرّجز يعني به العذاب".
وأخرج مسلم وغيره من حديث أسامة بن زيد، وسعد بن مالك، وخزيمة بن ثابت، قالوا: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"إنّ هذا الطّاعون رجز، وبقيّة عذاب عذّب به أناس من قبلكم".
والهجر أبلغ من التّرك، إذ فيه معنى الابتعاد عن مواطن المهجور.
أمّا هجر"الرّجز"بمعنى عبادة الأوثان فهو ظاهر، وخطاب الرّسول بهذا هو في الحقيقة خطاب لكلّ فرد من أفراد الأمّة الّتي يوجّه لها دعوته، لأنّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان هاجرا لها، فلم يسبق له أن عبدها أو عبد شيئا منها على طريقة مشركي قومه، ولا يعقل أن تحدّثه نفسه بعبادتها بعد اصطفائه بالنبوة والرسالة.
وأمّا هجر"الرّجز"بكسر الرّاء الذي هو بمعنى العذاب، فالمراد من هجره هجر كلّ اعتقاد أو قول أو عمل من شأنه أن يفضي إلى سخط اللّه وعذابه، فمعنى هجر العذاب هجر أسبابه.
فالأمر بهجر الرّجز"بكسر الراء"معناه الأمر بهجر المعاصي والمخالفات المسبّبة لعذاب اللّه.
وهذا الخطاب موجّه في الحقيقة لكلّ فرد من أفراد الأمّة التي يوجّه لها دعوته، إذ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم معصوم عن المعاصي، إلّا أنّ له نصيبا من هذا التكليف في حدود مرتبتي البرّ والإحسان وكلّ ما لا يتعارض مع العصمة.
* قول اللّه عزّ وجل: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) .
المنّ: الإنعام والإحسان، يقال لغة: منّ فلان على فلان إذا أنعم عليه نعمة طيّبة.