معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 84
وفي قراءة الكسائي: [و إن كان مكرهم لتزول منه الجبال] .
المكر: تدبير أمر في خفاء بخير أو بشر، أمّا مكر الكفرة الّذين لا يؤمنون بالآخرة وجزاء اللّه فيها؛ فمعظمه لا يكون إلّا في شرّ، وأمّا مكر المؤمنين الّذين يؤمنون بالآخرة وجزاء اللّه فيها فيكون مكرا في خير.
وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ...: أي: وقد مكر المهلكون السّابقون مكرهم الشّديد، لقمع دعوة رسل ربّهم عليهم السّلام، وللتّخلّص منهم ومن الّذين آمنوا بهم واتّبعوهم.
وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ...: أي: وكان عند اللّه علم مكرهم، بكلّ تفصيلاته وجزئيّاته ومراحله، كان عند اللّه الممكور بدينه وبرسوله عليه السّلام وبكتابه؛ صورة كاملة عن مكرهم، فهو- جلّ جلاله وعظم سلطانه- قدير على إحباط كلّ عمل يعملونه لتحقيق ما مكروه.
وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ:
أي: وعند اللّه مكرهم، فاللّه محبط أعمالهم ورادّ مكرهم إلى نحورهم، وإن كان مكرهم كافيا من شدّته لتزول منه الجبال، فاللّه أشدّ قوّة وأعظم بأسا، وهم لا حول لهم ولا قوّة إلّا به.
[و إن كان مكرهم لتزول منه الجبال] بقراءة الكسائي:
"إن"هي المخففة من الثقيلة. واللام في [لتزول] هي: الفارقة بينها وبين"إن"النّافية. وعبارة [لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ] تمثّل شدّة ما أعدّوا من مكر، فقد أعدّوا به غاية ما يستطيعون من عمل لتحقيق غايتهم، وكان مكر فرعون وآله بالغا، فلو وجّهه لإزالة جبال من حول مدينته لكان كافيا، وقد جاءت المعجزة الرّبّانيّة فأبطلت كلّ مكره وكيده، وأغرق اللّه فرعون وآله وكلّ جيشه.