معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 94
ثالثا: من الاستعارة في السّورة قول اللّه عزّ وجلّ فيها:
الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) :
في هذه الآية استعارتان:
الاستعارة الأولى: استعمال الظّلمات للدّلالة بها على أنواع الكفر وسبل ضلالاته، لأنّ هذه تشبه الظّلمات في فكر الإنسان وقلبه ونفسه وسبله الّتي يتخبّط في مسيرته الدّنيويّة على أوحالها وعقباتها وحفرها ومخاطرها.
الاستعارة الثانية: استعمال النّور للدّلالة به على الإيمان بالحقّ، وصراط اللّه المستقيم الواحد، فالحقّ الجليّ يشبه النّور، والصّراط المستقيم الواضح لسالكيه يشبه النّور أيضا.
فاستعير المشبّه به للدّلالة به على المشبّه.
رابعا: من التعبير عمّا سيأتي مستقبلا بصيغة الفعل الماضي، باعتبار أنّه متحقّق الوقوع في المستقبل، وما سيؤول إليه أمره، قول اللّه عزّ وجلّ فيها:
الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ... (1) :
لم يكن قد أنزل إبّان نزول سورة (إبراهيم) كلّ القرآن، ولكنّ خطّة اللّه عزّ وجلّ الّتي لا بدّ أن تتحقّق مستقبلا؛ أن ينزل إلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم كلّ القرآن، فجاء إطلاق الإنزال على كلّ الكتاب، باعتبار ما سيؤول إليه الأمر، بالنّظر إلى خطّة اللّه عزّ وجلّ. وهذا من المجاز المرسل.
خامسا: من المجاز المرسل في السّورة قول اللّه عزّ وجلّ فيها:
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) :