فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 123
ملازمة الإقامة عندها، مقبلين عليها إقبال العابد على المعبود.
قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) :
دلّ هذا البيان على أنّ إبراهيم عليه السّلام؛ كان يعلم من حال قومه أنّهم يعبدون أصنامهم بالدّعاء، وأنّهم يؤمنون بأنّ عبادتهم لها تجلب لهم نفعا وتدفع عنهم ضرّا، فطرح على أبيه فقومه سؤالين:
السؤال الأول: هل تسمعكم أصنامكم حين تدعونهم لمطالب حياتكم، من رزق، ونصر، وذرّيّة، وأمن، ونحو ذلك من مطالب الحياة.
السؤال الثاني: هل تنفعكم أصنامكم فتعبدونهم ليحقّقوا لكم نفعا؟.
هل يضرّونكم فتعبدونهم لاسترضائهم حتّى لا يضرّوكم؟. أو هل يضرّون أعداءكم فتعبدونهم لإنزال الضّرر بهم؟.
سؤالان تابع بهما إبراهيم عليه السّلام مناظرته لقومه، الّتي بدأها بالسّؤال الأوّل: ما تعبدون؟.
هذا منهج جدليّ حكيم يباشر الموضوع من أقرب السّبل، ويظهر أنّهم عجزوا عن إثبات أنّ أصنامهم تسمع دعاءهم، وعجزوا عن إثبات أنّها تجلب لهم نفعا أو ضرّا، أو تدفع عنهم ضرّا، فأجابوا بما جاء بيانه في الآية التّالية:
قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (74) :
أي: لا نستطيع إثبات أنّها تسمع دعاءنا، ولا نستطيع إثبات أنّها تنفع أو تضرّ، بل وجدنا آباءنا يفعلون مثل ذلك الفعل الّذي نفعله من عبادات لها، فنحن على آثار آبائنا سائرون، ولهم مقلّدون.
وبهذا كشف إبراهيم عليه السّلام لهم؛ أنّهم على باطل واضح البطلان، نظرا إلى أنّ تقليد ما كان عليه آباؤهم لا يصلح لأن يكون دليلا