فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 124
بحال من الأحوال، لاحتمال أنّهم كانوا جاهلين، أو كانوا على ضلالة يتّبعون فيها الأهواء، أو كانوا متأثّرين بوساوس الشّياطين وتسويلاتهم.
عندئذ رأى إبراهيم عليه السّلام، أنّ من الحكمة في المناظرة أن يعلن لأبيه وقومه، أنّ كلّ معبوداتهم ومعبودات آبائهم من دون اللّه ربّ العالمين أعداء له، إذ ليس لها شيء من الصّفات الّتي تؤهّلها لأنّ تعبد من دون اللّه، وعبادتها عدوان على حقّ اللّه ربّ العالمين في أن لا يعبد شيء ولا كائن ما من دونه، إذ لا إله بحقّ إلّا هو، فهو وحده ربّ كلّ شيء سواه.
فقال لهم إبراهيم عليه السّلام في المناظرة، ما جاء بيانه في قول اللّه تعالى:
قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ (77) .
أي: أتفكّرتم تفكّرا سليما سديدا، فرأيتم بعقولكم وقلوبكم بطلان ما كنتم أنتم وآباؤكم الأقدمون، تعبدونهم من دون اللّه ربّ العالمين، وما زلتم أنتم تعبدونهم تقليدا لآبائكم فإنّهم عدوّ لي، لأنّهم باطل ليس لهم من الإلهيّة وصف ما، وأنا أعتبر كلّ باطل عدوا لي، أكفر به، وأعاديه، وأقاتله، ومن اللّازم الفكريّ لمعاداة الباطل، معاداة أنصاره المؤمنين به، والدّاعين إليه.
ووصف إبراهيم عليه السّلام آباءهم بالأقدمين، للدّلالة على أنّ الأقدميّة لا تعطي الباطل مشروعيّة البقاء، ولا تكسبه شيئا من صفات الحقّ، فالباطل أزلا باطل أبدا، والباطل لذاته فيما مضى، باطل دواما في الماضي، والحاضر، والمستقبل.
ولمّا كان قوم إبراهيم عليه السّلام مشركين، يعبدون أصنامهم