فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 125
ويعبدون أيضا ربّ العالمين، كان من الواجب أن يستثني فيقول:
إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ (77) : أي: إلّا المعبود المتّصف بأنّه ربّ العالمين.
وقد أبان عليه السّلام من صفات ربوبيّة اللّه ربّ العالمين، ما جاء في الآيات التاليات:
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) :
فذكر إبراهيم عليه السّلام في هذا من صفات ربوبيّة اللّه ربّ العالمين، الّتي له بها ارتباط شديد في حياته ثماني ظواهر:
الظّاهرة الأولى: أنّه خلقه، إذ لم يكن قبل خلقه له شيئا مذكورا فقال عليه السّلام: الَّذِي خَلَقَنِي: أي: الّذي حدّد مقادير كلّ شيء فيّ، وابتدعني من العدم.
الخلق يأتي في اللّغة بمعنيين: التقدير، بإعطاء الأشياء مقاديرها؛ والابتداع على غير مثال سبق، والإيجاد من العدم. وهذان المعنيان مرادان هنا.
الظّاهرة الثانية: أنّ اللّه ربّه يهديه لتنفيذ الأعمال المحقّقة للأغراض منها، وهذه الهداية تشمل كلّ تصرّفاته الإراديّة الجسديّة والنّفسيّة، فقال عليه السّلام فهو يهدين، ومن هذه الهداية هداية اللّه الطّفل كيف يرضع ثدي مرضعته، بعد أن أعطى كلّ جزء من فمه المقدار الحكيم الملائم للرّضاع.
الظّاهرة الثالثة: أنّ اللّه ربّه هو وحده الّذي يطعمه، فقال عليه