فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 133
واهتماما بالقيام بهذه السّياسة الدّعويّة الحكيمة الرّشيدة، ألحّ إبراهيم عليه السّلام على أبيه في الدّعوة إلى دين اللّه الحقّ، وإلى نبذ اتّخاذ الأوثان وعبادتها، ونوّع لأبيه أساليب الإقناع، وقدّم له البراهين وحججا مختلفة، واستعطفه واستلانه، وتخضّع له، وترفّق به وعاشره بإحسان، ولم يقابله بما يكره.
وحين طلب منه أبوه أن يهجره إلى حين، استجاب لطلبه، ووعده بأن يستغفر له ربّه، قبل أن يعلم أنّه مصرّ على أن يكون عدوّا للّه، فلمّا علم أنّه عدوّ للّه تبرّأ منه.
ونفهم من هذا النّصّ أنّ إبراهيم عليه السّلام قد أضجر أباه في دعوته له، مقرونة بالحجج البرهانيّة المقنعة، رجاء أن يستجيب له، فيكون من المؤمنين الموحّدين النّاجين من عذاب اللّه الخالد في نار جهنّم، ونفهم أنّ الضّجر قد أوصل الأب إلى أن يهدّد ابنه إبراهيم النّاصح له، والملحّ عليه بالنّصيحة، وبإقامة الحجج البرهانيّة المقنعة، فيتوعّده بالرّجم، فقال له: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ أي: لأقتلنّك بوسيلة الرّجم بالحجارة.
ويظهر أنّ هذا التّهديد قد صدر من الأب وهو في حالة ضيق صدر، إذ لم يستطع أن يردّ على حجج ابنه البرهانيّة بما يزيّن تقليده الأعمى في شركيّاته، ومعلوم أنّ ضيق الصّدر يولّد غضبا، ومع الغضب تصدر عبارات التّهديد الّتي قد تصل إلى التّهديد بالقتل.
ويظهر أيضا أنّه لمّا سكت عن أبيه غضبه تراجع عن التّهديد بالرّجم، وطلب من ابنه إبراهيم عليه السّلام أن يهجره مدّة طويلة من الزّمن، فقال له: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا: المليّ: المدّة الطّويلة من الزّمن.
ويظهر أيضا أنّ إبراهيم عليه السّلام استشعر من قول أبيه له:
وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا وعدا ضمنيّا بأن يراجع نفسه، ويتفكّر في الأمر، ويتّخذ