فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 136
أي: يا أبت، هل لك مقصد يتحقّق لك، بعبادتك أوثانا جامدة، لا تسمع دعاءك، ولا تبصر ذاتك، ولا تنفعك بنافعة، ولا تصرف عنك شيئا ممّا تكره؟؟!.
هذا السّؤال لا يمكن أن يجيب عليه عاقل إجابة صحيحة، إلّا بأن يقول: وجدت قومي وآباءهم يعبدون هذه الآلهة من الأوثان فعبدتها، مستبعدا عن تصوّري أنّهم كانوا على ضلالة.
عندئذ انتقل إبراهيم عليه السّلام إلى اتّخاذ وسيلة إقناع أبيه بالحقّ الّذي يدعوه إليه، فقال عليه السّلام:
يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا (43) :
كرّر إبراهيم عليه السّلام استعطافه لأبيه بقوله له: يا أَبَتِ وأكّد له أنّه قد جاءه من العلم الّذي يسعى إليه العقلاء الراشدون، ما ليس عند أبيه منه.
وهنا لا بدّ أن تجري محادثة بينهما، يثبت فيها إبراهيم عليه السّلام لأبيه العلم الّذي جاءه، بشأن الرّبوبيّة والإلهيّة، وحقّ اللّه الرّبّ على عباده في أن يعبدوه ولا يشركوا بعبادته أحدا ولا شيئا، وأنّ من اتّخذ آلهة من دون اللّه، جعله اللّه عزّ وجلّ من الخالدين يوم الدّين في عذاب نار جهنّم، ولا بدّ أن يكون إبراهيم عليه السّلام قد أبان لأبيه أركان الإيمان بالحجّة والبرهان.
ومن الواضح أن لا يجد الأب المشرك كلاما يصحّ في العقول، ينقض به أدلّة الابن الرّسول إبراهيم عليه السّلام، بشأن أركان العقيدة الإيمانيّة، في الدّين الّذي اصطفاه اللّه لعباده، وبشأن أسسها العقليّة، وجذورها الوجدانيّة.