فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 139
فقال الأب المشرك لابنه إبراهيم النّبيّ الرّسول عليه السّلام ما حكاه اللّه عنه:
قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) :
دلّ هذا الرّدّ عن حالة غضب خرج فيها الأب عن مزاجه السّويّ، إذ وجد نفسه مغلوبا، مهزوما فكريّا ونفسيّا، ولم يكن مستعدّا أن ينبذ تقاليده الباطلة لقومه وآبائهم من قبلهم، فلم يجد وسيلة غير التّهديد بالرّجم، مستخدما سلطته الأبويّة، وأنّ ابنه خاضع له بارّ به.
لكنّه لمّا بردت جذوة غضبه طلب من ابنه إبراهيم عليه السّلام أن يهجره مدّة طويلة، لئلّا يكون بينهما احتكاك ما في مسائل الدّين وقضاياه.
أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ: أي: أتارك أنت آلهتي، ومخالف لي في ديني وفي عبادتي؟؟!!
يقال لغة:"رغب عن الشّيء"أي: تركه زهدا فيه، أو إنكارا له.
ويقال لغة:"رغب في الشّيء"أي: أراده وحرص عليه، أو طمع فيه.
ونفهم من الإطناب بضمير الفصل أَنْتَ أنّ الغرض منه إشعار الأب ابنه إبراهيم، بأنّه من المستغرب منه وهو البارّ الحريص على برّ أبيه، أن يرغب عن عبادة آلهته، ويسلك سبيلا غير سبيله، أي: مثلك أنت لا يفعل هذا.
وكان غضب الأب قد بلاغ ذروته، فقال لابنه مؤكّدا بالقسم: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ: أي: لأطردنّك أو لأقتلنّك رجما بالحجارة إن لم تنته عن دعوتك إلى نبذ عبادة آلهتي من الأوثان.
ويظهر أنّه بعد هذا التّهديد برد غضبه، وأدرك أنّ ابنه لن ينتهي عمّا