فهرس الكتاب

الصفحة 8366 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 140

نهاه عنه، فأتبع كلامه بقوله: ... وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) أي: واهجرني مبتعدا عنّي زمنا طويلا.

وشعر إبراهيم عليه السّلام بتنازل حدّة غضب أبيه، وظنّ أنّه إذا استجاب لطلبه فهجره مدّة طويلة من الزّمان، تراجع عن إصراره وعناده، وصار ألين وأطوع وأكثر تقبّلا للحقّ، فقال لأبيه ما جاء في البيان القرآنيّ التّالي:

قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) :

في هاتين الآيتين بيان أربع قضايا وجدها إبراهيم عليه السّلام ملائمة وحكيمة في هذا الموقف:

القضيّة الأولى: قول إبراهيم عليه السّلام لأبيه سَلامٌ عَلَيْكَ: أي:

أعلن مفارقتي لك استجابة لأمرك، فأقول لك: سلام عليك مكرّما مبجّلا.

القضيّة الثانية: قول إبراهيم عليه السّلام لأبيه: ... سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (47) :

في هذه العبارة وعد من إبراهيم عليه السّلام لأبيه، بأنّه سيسأل اللّه ربّه أن يغفر له.

وقد وفّى إبراهيم عليه السّلام بوعده لأبيه، فسأل ربّه أن يغفر له، إذ كان يرجو أن يلين قلبه، وينبذ الشّرك، ويؤمن بالدّين الحقّ، فلمّا تبيّن له أنّ أباه مقيم على كفره بإصرار وعناد، وأنّه عدوّ للّه تبرّأ منه، إذ لا يجوز لمؤمن باللّه أن يستغفر لمشرك، ولو كان ذا قربى.

إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا: أي: إنّ ربّي كان لطيفا بي، مكرما لي، ذا عناية خاصّة بتحقيق مطالبي، والإحسان إليّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت