فهرس الكتاب

الصفحة 8371 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 145

قدّم إبراهيم عليه السّلام دليلا على عدم صحّة كون شيء ما ربّا، أن يتعرّض بعد ظهوره ومشاهدته للأفول، وإذا لم تكن له ربوبيّة فلا تكون له إلهيّة بوجه من الوجوه، إلّا أن يأمر الرّبّ الحقّ بعبادته، وهذا لم يكن في رسالة ربّانيّة صحيحة.

ونفهم من استدلال إبراهيم هذا: أنّه يقول لقومه: إنّ من يحضر فيرى ويغيب فلا يرى، إمّا أن يكون حضوره وغيابه بإرادته، وإمّا أن يكون بغير إرادته.

فإن كان بإرادته فهو إنّما يحضر ليصرّف أحوال مربوبية ذوي الحاجة الدّائمة لربوبيّة، لكنّه إذا غاب لم يكن لمربوبية حظّ من تصاريف ربوبيّته، فيفسد بذلك نظام الخلق، فدلّ هذا على أنّ الّذي يغيب بعد حضور لا يصلح لأن يكون ربّا، فهو لا يصلح لأن يكون إلها يعبد.

وإن كان حضوره وغيابه بغير إرادته فهو بالبداهة لا يصلح أن يكون ربّا ولا إلها، وهذا هو الّذي يدلّ عليه نظام الكواكب والنجوم جميعا في السماء، إنّها تظهر وتغيب بغير إرادات لها، فهي جميعها مربوبة لربّ واحد، يخضع لصفات ربوبيّته كلّ موجود في السّماوات والأرض.

هذا الدّليل نفسه استخدمه إبراهيم عليه السّلام، حين انتقل في تدرّجه بحثا عن الرّبّ المهيمن على الوجود كلّه، إلى رؤية القمر البازغ، فرؤية الشّمس البازغة، وهذا ما جاء بيانه في قول اللّه عزّ وجلّ بشأنه:

فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) :

البازغ: الّذي بدأ طلوعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت