فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 155
بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ: أي: في اليوم الّذي تكونون فيه بعيدين عن مدينتكم، وخارجين مدبرين مبتعدين عن أسوارها، أو عمّا حولها من مزارع، إذ تكون مدينتكم خالية ممّن يراقب ما يجري في بيت أصنامكم.
وكان لهم يوم عيد يخرجون فيه من مدينتهم إلى مكان واسع جامع، بعيد عن حدودها، يفعلون فيه ما يفعل النّاس في أعيادهم من لهو ولعب وزينة وأكل وشرب ونحو ذلك.
وسنحت له الفرصة في ليلة من اللّيالي، الّتي يكون بعدها يوم من أيّام أعيادهم الكبرى، الّتي يخرج فيها كلّ أهل المدينة للمشاركة في هذا العيد.
فأقام حوارا بينه وبين أبيه وقومه، ونظر بعده نظرة في النّجوم، فقال لهم: إنّي سقيم لا أستطيع أن أخرج معكم إلى عيدكم والمشاركة فيه.
دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (الصّافّات/ 37 مصحف/ 56 نزول) :
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ (85) أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (87) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) :
أي: ضع في ذاكرتك أيّها المتلقّي جهاد إبراهيم الدّعويّ، حين قال لأبيه وقومه مستنكرا ومنتقدا بشدّة عبادتهم أوثانا هم ينحتونها أو يصنعونها بأيديهم، وهي لا تسمع ولا ترى ولا تجيب ولا تعقل، ولا تنفع ولا تضرّ.
ما ذا تَعْبُدُونَ: ما الّذي تعبدونه، وهذا الاستفهام إنكاريّ تثريبيّ، مع ما فيه من إظهار العجب الشّديد من سفاهتهم ونقص عقولهم.
أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) ؟!: