فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 161
فرجعوا إلى عمق أنفسهم يحاكمونها، إذ اكتشفوا أنّ آلهتهم لا تتكلّم، ولا تجيب على أسئلة عابديها، ولم تستطع أن تدفع عن أنفسها التكسير والتّحطيم، فقال بعضهم لبعض، أو قالوا لأنفسهم في محاكمة داخليّة بينهم وبين أنفسهم: إنّكم أنتم الظّالمون باتّخاذ آلهة لا تسمع ولا تبصر ولا تنطق، ولا تستطيع أن تحمي أنفسها، ممّن يريد تكسيرها وتحطيمها.
لكنّهم بعد هذه المحاكمة الدّاخليّة لأنفسهم؛ رجعت عوامل كبرهم، وانتصارهم لسوابق اختياراتهم وتقاليدهم؛ تنفخ في صدورهم، فانقلبت مفاهيمهم الّتي قوّمها التّنبيه الإبراهيميّ، فنكسوا على روؤسهم.
وهنا يأتي موقع قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (الأنبياء/ 21 مصحف/ 73 نزول) أيضا:
ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (65) :
أطلقت عبارة: ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ على سبيل الاستعارة، للدّلالة بها على انقلاب مفاهيمهم إلى ما كانت عليه، قبل أن يقوّمها ويجعلها سويّة معتدلة غير منكّسة؛ تنبيه إبراهيم عليه السّلام لها.
التّنكيس: قلب الشّيء، وجعل أعلاه أسفله، أو جعله يميل شيئا فشيئا إلى أسفله.
نكسوا على رؤوسهم: أي: قلبوا فجعلت رؤوسهم في مواضع أقدامهم، وجعلت أقدامهم غاية ارتفاع أجسادهم إلى الأعلى، على عكس الوضع الطّبيعيّ للأجساد.
شبّه انقلاب مفاهيمهم إلى الباطل بحالة تنكيسهم على رؤوسهم، واستعير هذا التّنكيس للدّلالة على انقلاب مفاهيمهم إلى الباطل.
ودلّ العطف بحرف العطف"ثمّ"على أنّهم بقوا مدّة على حالة