فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 177
وقد جاءوه على صور رجال بشر لا يعرفهم، فالملائكة قادرون على التّشكّل بأشكال جسمانية.
قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ: بدؤوه بالتّحيّة قائلين له:"سلاما"، أي:
نسلّم عليك سلاما. فلفظ"سلاما"مفعول مطلق لفعل محذوف.
قال:"سلام"أي: تحيّتي لكم:"سلام".
قال البلاغيّون:"سلام"جملة اسميّة مع المبتدأ المحذوف المقدّر ذهنا، و"سلاما"جملة فعليّة مع العامل المحذوف، والجملة الاسميّة أقوى وآكد من الجملة الفعليّة، لأنّ في خبر الجملة الاسميّة ضميرا يعود على المبتدأ، ففيها إسنادان، وعلى هذا فقد كان ردّ إبراهيم عليه السّلام التّحيّة بأحسن منها.
وهنا يأتي ما جاء في سورة (الذّاريات/ 51 مصحف/ 67 نزول) بإضافة كون الرّسل عليهم السّلام قد جاءوا إبراهيم عليه السّلام على أنّهم ضيوف مكرمون، وأنّ إبراهيم عليه السّلام قال لهم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، قال اللّه عزّ وجلّ فيها:
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) :
الاستفهام ب"هل"هنا يفيد معنى: خذ أيّها المتلقّي حديث ضيف إبراهيم عليه السّلام.
"ضيف": يطلق على الواحد والاثنين فأكثر، والمراد عدد من الملائكة أرسلهم اللّه على شكل ضيوف من البشر، ووصفهم اللّه عزّ وجلّ بأنّهم مكرمون، إشارة إلى أنّهم ليسوا بشرا، بل هم ملائكة، إذ جاء وصف الملائكة في الآية (26) من سورة (الأنبياء/ 21 مصحف/ 73 نزول) بأنّهم عباد مكرمون، وربّما كانت ثيابهم حين دخلوا عليه على صورة ثياب قوم ذوي كرامة في قومهم.