فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 179
عرض بصيغة الاستفهام أن يأكلوا من العجل السّمين المشوي، الّذي قرّبه إليهم، وجعله قريبا من مكان جلوسهم.
دلّ هذا على أنّ من فضائل المضيف وكرمه في الضّيافة؛ أن يقرّب لضيوفه ما يأكلونه ويشربونه، وقد كان هذا من عادات الكرماء، قبل أن يتّخذ النّاس الخوان الكبير الّذي توضع حوله الكراسي، ويصعب تقريبه للضّيوف.
وهنا يأتي ما جاء في سورة (هود/ 11 مصحف/ 52 نزول) :
فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (70) .
ويأتي هنا أيضا قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (الحجر/ 15 مصحف/ 54 نزول) :
وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (53) .
فأضاف النّصّ الّذي من سورة (هود/ 52 نزول) أنّ إبراهيم عليه السّلام رأى أيدي الضّيوف لا تصل إلى العجل الحنيذ السّمين، ولا يأكلون منه فنكرهم، أي: استنكر تصرّفهم الّذي هو على غير عادة الضّيوف، بل هو عادة الّذين يأتون بشرّ، ولم يخطر في باله- عليه السّلام- أنّهم ملائكة لا يأكلون الطّعام، إذ كان مظهرهم لا يشعر بذلك.
وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً: أي: وأحسّ في نفسه خوفا من غرضهم، الّذي جاءوا من أجله، إذ هم بشر بحسب الظّاهر.
وقال لهم أخذا ممّا جاء في سورة (الحجر/ 54 نزول) : إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (53) .