فهرس الكتاب

الصفحة 843 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 149

سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (10)

لكن أثّر عليه توهّم نفع شراء من يتعهّد له بأن يتحمّل العذاب بدله، فصرف الخوف من عذاب اللّه عن قلبه، وقد كان ممّن يؤثرون الحياة الدنيا، والانطلاق فيها دون ضابط من الدّين، فوجد لنفسه مخرجا من مشاعر الخوف، فكان لا بدّ من إقناعه وإقناع نظرائه بإسهاب، وهو ما جاء في هذا الدرس الرابع من دروس السورة.

* أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى (34) .

استفهام تعجيبيّ من أمر هذا الّذي تولّى، فأدبر ولم يتابع مسيرته في الإسلام، لمّا خدعه شيطان من شياطين المشركين إذ تعهّد له بأن يتحمّل عنه العذاب عند ربّه، مقابل مال يدفعه إليه.

فأعطى من ماله قليلا كما جاء في قصّته الواردة في سبب النزول، وتوقّف عن أن يزيد في العطاء لمن تعهّد له، وفي هذا بيان لما في نفسه من شحّ، وليس المراد ذمّه إذ لم يبذل كثيرا، فقضيّته كلّها مرفوضة أصلا وفرعا، لأنّها مبنيّة على توهّم باطل.

وفي عبارة: وَأَكْدى استعارة قائمة على تشبيه من يعطي قليلا ويتوقّف بعد ذلك باخلا شحيحا، بالذي يحفر في الأرض ليستخرج ماء فيجد قليلا من الماء، وبعد ذلك تظهر له كدية في الأرض وهي من الصّخور الشديدة العظيمة التي لا ترشح بماء، أو الأرض الغليظة الجافّة التي لا مطمع في حفرها واستخراج الماء منها، فيتوقف عن متابعة الحفر.

وقد كان الرّجل من العرب إذا عمل في حفر بئر طمعا في الوصول إلى الماء، ربّما وجد بعض ماء نزّ من السّطح من بقايا الأمطار القريبة، فإذا ظهرت له وهو يحفر كدية عظيمة لم يستطع حفرها ولا اقتلاعها، قالوا: أكدى، أي:

وجد كدية، أو ظهرت له في بئره كدية، فيتوقف عن متابعة الحفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت