معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 150
وعلى سبيل المجاز بالاستعارة استخدم القرآن فعل"أكدى"للدلالة على شحّ نفس الرجل، إذ هي كالصفاة الّتي لا تنزّ بماء، وكان هذا القدر كافيا في التعريف بالرّجل ضمن بيئته أيّام نزول النّصّ القرآني، وكافيا في الدلالة على أنه من الّذين لا يريدون إلّا الحياة الدّنيا، والانطلاق فيها دون ضابط من الدين.
ونجد في جملة: وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى (34) من وراء التعبير عن قصّته مع من تعهّد له من المشركين، بأن يتحمّل عنه العذاب عند ربّه مقابل ما يبذل له من مال، إلماحا إلى أنّه أقبل إلى الإسلام خوفا من عذاب اللّه، ثمّ أدبر عنه لمّا توهّم أنّه قد درأ عن نفسه عذاب اللّه.
وقد أوجز اللّه قصّته إلى أدنى الحدود، لأنّ الغرض منها بناء الأفكار عليها، دون الاهتمام بكونها مقصودة بالذّات.
وكان من الحكمة الإقناع بما يكفي حول هذا التوهّم الباطل، فقال اللّه عزّ وجلّ:
* أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (35) :
استفهام تعجيبيّ من أمره، إذ لا يملك أيّ دليل ولو كان دليلا ضعيفا يمكن اتخاذه ذريعة لقبول ما توهّمه.
أي: أعنده علم الغيب فهو يرى من مشاهد الغيب أو مكتوباته أنّ اللّه عزّ وجلّ يقبل أن يتحمّل أحد العذاب عن غيره، إذا فداه بنفسه، أو باعه من نفسه أن يتحمّل العذاب عنه، مقابل مال يأخذه منه في الدنيا.
ويلاحظ أنّ الحديث عنه قد جاء بأسلوب الحديث عن الغائب، لا بأسلوب مواجهته بالخطاب ليعمّ أمثاله.
إنّ قضاء اللّه بيّن عباده وقانون عدله وفضله من أمور الغيب، وهي