معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 151
أمور لا يفتي فيها إلّا اللّه عزّ وجلّ، الذي هو عالم الغيب والشهادة، ومقدّر أنظمتها والقاضي بها.
وربّما يراد بالاستفهام مع التعجيب من أمر صاحب القصّة وأمثاله، انتزاع الاعتراف بأنّ علم الغيب ليس عنده، فإذا اعترف بذلك فإنّه يقال له:
كيف تقبل هذا التوهم؟! أو كيف تبني عليه؟!. وكيف تفرّط بنفسك فتعرّضها لعذاب اللّه؟!. وكيف تبذل في ذلك مالا لمن لا يستطيع أن يكون ضامنا ولا يستطيع أن يكون بديلا عنك في تحمّل العذاب؟!.
وبعد هذا أبان اللّه عزّ وجلّ أنّ قانون العدل الرّبّانيّ المبيّن في صحف موسى، وفي صحف إبراهيم، يتضمّن أنّ كلّ إنسان هو المسؤل عن عمله واختياراته، في رحلة امتحانه في الحياة الدّنيا، فلا يفتدي أحد بنفسه أحدا عند اللّه، ولا يستطيع أحد أن يشتري بماله في الدنيا من يتعهّد له بأن يتحمّل عنه العذاب يوم الدّين.
وهذا القانون الرّبّانيّ لا نسخ له ولا تبديل فيه، فقال اللّه عزّ وجلّ:
أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (36) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (40) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (41) .
يُنَبَّأْ: أي: يخبّر من قبل المخبرين العالمين بما جاء في كتب الأوّلين الموجودين في البيئة العربيّة. النّبأ: الخبر الظاهر الواضح لكثرة تداوله. أو الخبر الجليل ذو البروز، فأصل معنى الكلمة يدور حول البروز والظّهور، يقال لغة: نبأ الشيء، أي: ارتفع وظهر. بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) : أي: بما أنزل على موسى ودوّن في الصّحف، وما أنزل على إبراهيم ودوّن في الصّحف، وتداولته ألسنة المهتمين بالأنباء الجليلة من أهل الأنباء من العرب.