فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 205
طوال حياتكم، فلا تبدّلوا ولا تغيّروا ما دامت لكم أنفاس تتنفّسونها في الحياة الدنيا، وبذلك لا تموتون إلّا وأنتم مؤمنون مسلمون.
جاءت الكناية عن هذا بعبارة: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ: أي: فلا تجعلوا الموت ينزل بكم إلّا في حالة كونكم مسلمين، وقد جاء الاستغناء بعبارة: وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ عن التّصريح بأن يكونوا مؤمنين مسلمين، لأنّ الإسلام الصّحيح المقبول عند اللّه، لا يكون إلّا على قاعدة إيمان صادق صحيح.
واستوثق يعقوب عليه السّلام من أبنائه عن طريق السّؤال منه والجواب منهم، بعد أن وصّاهم:
قال يعقوب عليه السّلام لبنيه: ما تعبدون من بعدي ولمن تسلمون؟.
قالوا: نعبد إلهك ربّ العالمين، وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا لا شريك له، ونحن له مسلمون منقادون خاضعون مطيعون.
وأدخلوا إسماعيل عليه السّلام ضمن آبائه مع أنّه عمّه لكثرة إطلاق لفظة"الأب"على العمّ احتراما وتوقيرا، ولدخوله ضمن عموم الآباء من باب التّغليب.
وللتّنويع في الأسلوب البياني جاء التّعبير: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ، بعد أن كان الأسلوب: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ، أي: بل ما كنتم شهداء إذ حضر يعقوب- عليه السّلام- الموت، وشعر بأنّه في السّاعات الأخيرة من عمره، فاستوثق من بنيه عمّن يعبدون بعد وفاته، فأبانوا له أنّهم مؤمنون موحّدون مسلمون للّه ربّ العالمين.
"أم"بمعنى"بل"مع استفهام، والمراد بالاستفهام النفي مع التوبيخ على الافتراء.
وفي بيان هذه الحادثة توبيخ ضمنيّ لليهود المفترين الّذين يقولون:
إنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط عليهم السّلام كانوا يهودا. وللنّصارى المفترين الّذين يقولون: إنّ هؤلاء كانوا نصارى.