فهرس الكتاب

الصفحة 8440 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 214

حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ: أي: جادلتم جدالا بالباطل فيما لكم به أصل علم يسوّغ لكم أن تجادلوا بشأنه، متّخذين ذرائع تمكّنكم من أن تراوغوا بها، مبتعدين عن الحقّ، وأن تضعوا عليها طلاء من زخرف القول، وأن تؤوّلوا بها نصوص التّوراة والإنجيل كما يحلو لكم ويحقّق لكم ما تريدون من متاعات الحياة الدّنيا، وزينتها.

فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ؟!: أي: فلم تتّخذون الجدال وتقديم الحجج الباطلة ديدنكم، حتّى في القضايا الّتي تجهلونها وليس لكم بها علم مطلقا، وهي بعيدة عمّا يهمّكم في حياتكم، فصار الجدال والاحتجاج بالباطل صفة من الصّفات الملازمة لكم، وعادة من العادات الّتي تجدون في ممارستها لذّة من لذّاتكم، فأنتم تلهون بالجدال وتلعبون، لا تقصدون به إحقاق حقّ ولا إبطال باطل، بل قد يسرّكم به أن تبطلوا حقّا، وأن تحقّوا باطلا؟!!. إنّكم تجعلون المحاججة بالباطل ملهاة من ملاهيكم، على خلاف ما عليه أهل العقل والرّشد والفضل والحكمة.

وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (66) : أي: واللّه يعلم كلّ شيء، فيعلم ما تضمره نفوسكم، وما تستخفون به عن أعين النّاس، وما تقصدونه من جدليّاتكم بالباطل، وأنتم لا تعلمون مقدار ما أخفاه لكم من عذاب أليم، ينزله بكم يوم الدّين جزاء كفركم.

وبعد هذا البيان التّعليميّ للّرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ولكلّ داع إلى اللّه من أمته، توجّه اللّه عزّ وجلّ للمصرّين على كفرهم من أهل الكتاب، فقال تبارك وتعالى:

ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) :

أي: إنّ اللّه ربّكم المحيط بكلّ شيء علما ينبّئكم بأنّ إبراهيم- عليه السّلام- الّذي اجتباه واصطفاه، وجعل في ذرّيّته من بعده النّبوّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت