معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 155
وقد ثبت في السّنّة الحجّ عمّن مات ولم يحجّ، والصّوم عمّن مات وعليه صوم لم يصمه، وغير ذلك من أعمال.
ومنع وصول فضل اللّه للإنسان إلّا ثواب ما سعى، هو من الحجر على فضل اللّه، وفيض جوده العظيم، وتقطيع لما أمر اللّه به أن يوصل من وشائج الأخوّة الإيمانيّة وعواطفها المتبادلة بين المؤمنين.
ويلاحظ أنّ اللّه عزّ وجلّ استعمل مادّة"السّعي"في القرآن لعمل الآخرة، وأمّا العمل المباح لكسب الرّزق ومصالح الحياة الدنيا فقد استعمل فيه مادّة"المشي"فقال تعالى في سورة (الملك/ 67 مصحف/ 77 نزول) :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)
وقال تعالى في سورة (الإسراء/ 17 مصحف/ 50 نزول) :
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19)
المشي: هو الانتقال الهادئ برفق للكدح والعمل وغير ذلك.
السّعي: هو الانتقال بهمّة ونشاط وقوّة في الكدح والعمل، والمراد الحالة النفسيّة، ولو كان المطلوب السكينة والرّفق. فالسّعي في اللّغة حركته فوق حركة المشي، ودون حركة العدو والرّكض.
القضيّة الثالثة: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (40) :
أي: وأنّ سعي الإنسان المكلّف في الحياة الدّنيا في أعمال صالحة، أو في أعمال سيّئة سوف يرى يوم الدّين، أيّ: يكشف له في كتاب عمله حتّى يراه، وقد يكشف لمن يشاء اللّه أن يطلعه عليه من خلقه.
سوف: حرف استقبال، وهو مستعمل في القرآن للمستقبل البعيد.