فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 270
سبق في الآية (3) بيان أنّ المعنيّين بالعلاج قالوا لجماهيرهم لصدّهم عن الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم: هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ؟!، فردّ اللّه عزّ وجلّ عليهم بأسلوب خطاب الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم أوّلا فبخطابهم عقب ذلك، فقال اللّه عزّ وجلّ لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ، وفي القراءة الأخرى: [يوحى إليهم] ، أي: نكلّف رسل الوحي من الملائكة عليهم السّلام بأمرنا؛ أن يوحوا إليهم ما نأمرهم به.
والمعنى: وما أرسلنا قبلك يا محمّد إلّا بشرا رجالا، نكلّف رسل الوحي من ملائكتنا؛ أن يوحوا إليهم ما نريد إبلاغهم إيّاه.
فلست يا محمّد بدعا بين الأنبياء والرّسل، حتّى يتعلّل المعاندون الجاحدون ببشريّتك، وبأنّك تأكل الطّعام، وتمشي في الأسواق لاكتساب رزقك.
وتوجّه اللّه عزّ وجلّ للمعاندين الجاحدين الصّادّين عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من يستجيب لهم من جماهيرهم؛ فقال لهم: ... فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7) : أي: فاسألوا أهل العلم بتاريخ الأنبياء والرّسل عليهم السّلام عن بشريّتهم، إن كنتم لا تعلمون أنّهم كانوا بشرا رجالا، فضّلهم ربّ العالمين بالوحي إليهم لعلمه بهم.
وفي استعمال"إن"الشّرطيّة إشارة إلى أنّهم يعلمون أنّ الرّسل السّابقين عليهم السّلام كانوا بشرا رجالا، ولكنّهم يتّخذون بشريّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم تعلّة يخدعون بها ويغرّرون الجهلة من جماهيرهم.
وقول اللّه تعالى بشأن الرّسل عليهم السّلام: وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ: دلّ على أنّ أئمّة الكفر والشّرك في مكّة ما زالوا يردّدون مقالتهم الّتي حكاها اللّه عزّ وجلّ عنهم في سورة (الفرقان/ 42 نزول) بقوله: وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ... (7) .