معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 287
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29) :
هذا النّصّ يبيّن أنّ بعض النّاس زعموا أنّ الملائكة عليهم السّلام بنات اللّه، سبحانه وتعالى عن أن يكون له ولد، أو أن تكون له صاحبة تنجب منه أولادا، فالرّبّ الأزليّ الأبديّ يستحيل عقلا أن يكون له كفؤا أحد، أو أن يتّخذ لنفسه مما خلق زوجة أو ولدا. الولد: يطلق على الذّكر والأنثى.
وقد ذكروا أنّ قبيلة خزاعة (من سكّان ضواحي مكّة) كانت تزعم أنّ الملائكة عليهم السّلام بنات اللّه، أمّهاتهنّ من سروات الجنّ، أي: من أشراف الجنّ، وذوي المكانة الرّفيعة فيهم.
وكان على اعتقادهم الباطل هذا بعض العرب، ومنهم بعض القرشيّين.
سُبْحانَهُ: أي: تنزّه جلّ جلاله عن أن يكون له ولد.
وأبان اللّه عزّ وجلّ أنّ الملائكة عليهم السّلام ليسوا أولادا للّه فقال تعالى:
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26) : أي: ليسوا أولادا للّه جلّ جلاله وعظم سلطانه، وتنزّهت ذاته وصفاته عن أن يكون له ولد، بل الملائكة عليهم السّلام عباد من عباد اللّه، فهم خلق من خلقه، ومملوكون له، وقد جعلهم مكرمين، أي: ذوي مكانة رفيعة، ومنزّهين عن معصية اللّه بارئهم، إذ فطرهم على طاعته، فهم لا يعصونه، وبأمره- جل جلاله- يفعلون أفعالهم في كونه.
يقال لغة:"أكرم فلان فلانا"أي: رفع مقداره، وأعظمه، وجعل له ميزة ذات فضل.