معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 292
السّماوات والأرض كانتا كتلة واحدة مجتمعة، فقسّمها اللّه عزّ وجلّ إلى مجرّات ونجوم وكواكب. والاستفهام فيها استفهام إنكاريّ على الّذين أدركوا هذه الحقيقة ولم تهدهم إلى الإيمان باللّه وكتابه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم.
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ...:
ثبت بالنّصّ الصّريح الجليّ أنّ آدم عليه السّلام قد خلقه اللّه- جلّ جلاله وعظمت قدرته- من الطّين، أي من الماء والتّراب، وهو حيّ ممتاز من الأحياء، ويدخل في عموم: كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ.
وهذا يدلّ على أنّ المراد بالعبارة هنا أنّ الماء هو المادّة الأكثر في بناء كلّ ذي حياة، حتّى النّبات الحيّ النّامي، وأنّه لا حياة بدون ماء، ولا يدخل في عموم: كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ الملائكة والجنّ، فالملائكة خلقوا من نور، والجنّ خلقوا من نار، وقد ثبت هذا في نصوص القرآن والسنة.
فالمراد كلّ شيء حيّ من المشهود للنّاس في الأرض.
وقد ذكر علماء الكونيّات أنّ ثلثي جسم الإنسان مكوّن من الماء، وأنّ كلّ الكائنات الحيّة تتكوّن غالبا من الماء، وأنّ بعض الثمرات فيها من الماء بنسبة (80%) .
فوجود الماء بنسبة عظمى في الكائنات الحيّة يلائمه أن يقال:
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، ونحن نعلم أنّ الأحياء متى فقدت مياهها فقدت حياتها، فالماء فيها شرط من شروط حياتها.
أَفَلا يُؤْمِنُونَ (30) : استفهام فيه تلويم للّذين كفروا ولم يؤمنوا إذا عرفوا أنّ السّماوات والأرض كانتا رتقا ففتقهما اللّه، وعرفوا أنّ اللّه جعل من الماء كلّ شيء حيّ نفخ فيه روح الحياة.
قول اللّه تعالى متابعا بيان بعض آياته في كونه بضمير المتكلّم العظيم: