معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 300
النّفس: هي الطّبعة المقدّرة المقضيّة لكلّ مخلوق قضى اللّه أن يجعله حيّا، وفيها خريطة تكوينه، وكلّ صفاته الّتي سيكون عليها وهو حيّ، فإذا أراد اللّه أن يجعل النّفس ذات حياة نفخ فيها الرّوح، والروح مخلوق ربّانيّ يكون بأمر اللّه التّكويني، ومتى اتّصل بالنّفس كانت النّفس كائنا حيّا، فالرّوح بمثابة الطّاقة الّتي يعمل بها جهاز النّفس أعماله وفق خريطة تكوينه، وحين تنفصل هذه الطّاقة عن النّفس تذوق النّفس الموت.
ولكلّ المخلوقات الحيّة من أعلى المراتب إلى أدناها نفوس بحسبها، كلّ ملك له نفس، ويكون حيّا باتّصالها بالرّوح الّتي يخلقها اللّه له بأمر التّكوين مباشرة، وتذوق الموت بانفصال الرّوح عنها. وكذلك كلّ إنسان، وكلّ جنّيّ، وكلّ ذي حياة حتّى الحشرات والميكروبات والفيروسات، وما دون ذلك إن وجد.
فالأحياء الدّنيا، وما فوقها من المراتب، حتّى أحياء الملأ الأعلى من الملائكة، كإسرافيل، وميكائيل، وجبرائيل؛ لكلّ واحد منهم نفس خاصّة به، ولا بدّ أن تذوق هذه النّفس الموت بانفصال الرّوح عنها عند انتهاء أجل حياتها الأولى، ثمّ يبعث اللّه الخلائق يوم القيامة، وهي حياة خلود لبعض الأحياء، ولا سيما من كان موضوعا في الحياة الدّنيا موضع الامتحان.
وبعد هذا خاطب اللّه عزّ وجلّ ذوي الإرادات الحرّة الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الامتحان بقوله تعالى:
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (35) :
وَنَبْلُوكُمْ: أي: ونختبركم في ظروف الحياة الدّنيا، إذ أنتم فيها موضوعون موضع الامتحان.
بِالشَّرِّ: أي: بما ترونه شرّا ممّا تكرهون كالمرض، والفقر،