معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 304
الكفر والشّرك تحقيق ما أنذروا به في كتاب اللّه، وعلى لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال اللّه عزّ وجلّ:
سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (37) : أي: سأريكم آياتي الجزائيّة المؤجّل منها إلى يوم الدّين، والمعجّل منها في الدّنيا.
وغلوّا في تعلّلهم للتّكذيب بما أنذروا به؛ صاروا يكرّرون سؤالهم عن الزّمن الّذي يتحقّق فيه واقعا، ما وعدوا خبرا بأنّه سيتحقّق مستقبلا، دلّ على هذا قول اللّه تعالى:
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (38) : أي: ويقولون للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم وللمؤمنين كلّما أخبروهم بما أنذرهم به اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم: في أيّ زمن يتحقّق هذا الوعد، إن كان ما تخبرون به خبرا صادقا؟!.
إنّهم من حماقتهم يجعلون صدق الوعيد مرتبطا بالتّعريف بوقت تنفيذه، مع علمهم بأنّ من يعد بعقاب من البشر إنّما ينفّذه فجأة ومباغتة، ولا يخبر عن الزّمن الّذي يحقّق فيه عقابه وانتقامه، فما بالهم يجعلون هذا السّؤال الّذي يكرّرونه تعلّة للتّكذيب بما أنذروا به؟!!.
وبدأ اللّه عزّ وجلّ علاجهم بتقديم لقطة من واقع تعذيبهم الّذي سوف يلاقونه يوم الدّين، فقال تعالى:
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) :
إنّ الّذين كفروا يخبرون خبرا صادقا، ولكنّهم يكذّبون ولا يريدون أن يعلموا صدق الخبر، ولو يعلمون مصدّقين ما سوف يحصل لهم يوم الدّين، حين يلقون في النّار فلا يستطيعون أن يكفّوا عن وجوههم لهب النّار، فضلا عن سائر مقدّم أجسادهم، ولا يستطيعون أن يكفّوا عن ظهورهم لهب النّار، فضلا عن سائر مؤخّر أجسادهم.