معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 309
يكترثون، ولا يبالون بما يطرح عليهم من سؤال يذكّرهم باللّه وسلطانه على كونه، وتصاريفه، فيعرضون عن الإجابة على السّؤال السّابق، لأنّهم دواما عن ذكر ربّهم معرضون، لا يشغلون أفكارهم ونفوسهم وقلوبهم بشيء يتعلّق بصفات اللّه وآياته في كونه.
الإعراض: حالة وسطى بين الإقبال والإدبار، ويكون معها انصراف النّفس انصرافا كلّيّا عمّا أعرض الإنسان عنه.
أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43) :
"أم"هي للإضراب الانتقاليّ مضمّنة معنى الاستفهام. أي: بل، ألهم آلهة من دون ربوبيّتنا المهيمنة على كلّ شيء في الوجود، وهذه الآلهة تمنعهم من أن ننزل بهم ما يكرهون من مصائب ونكبات؟، وهي لا تستطيع نصر أنفسها منّا، إن أردنا إبادتها أو إهلاكها، وليس لها منّا حافظ يحفظها، ولا مجير يجيرها.
قول اللّه عزّ وجلّ مبيّنا علّتهم النّفسيّة، ومقدّما شاهدا كونيّا على فساد تصوّراتهم:
بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (44) :
يتحدّث ربّنا بضمير المتكلّم العظيم مصدّرا بيانه بإضراب انتقاليّ بحرف"بل"، فيبيّن أنّ علّة المعالجين النّفسيّة؛ أنّهم اغترّوا بطول المدّة الّتي متّعناهم فيها ومتّعنا من قبلهم آباءهم دون أن نسلب منهم النّعمة، وننزل بهم النّقمة، مع التزامهم بشركهم ولوازمه في السّلوك، فزعموا أنّ طول الزّمن وهم معافون من نقمتنا وشديد عذابنا إمهالا لهم بمقتضى حكمتنا؛ دليل على أنّ حالهم سيستمرّ في عافية، وسيبقى لهم واقع التّفوّق