معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 323
أرى، دون أن يسمع محاوريه ما عزم عليه من تحطيم أصنامهم:
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) :
تاللّه: قسم بحرف"التّاء"، وهو خاصّ بالدّخول على لفظ الجلالة.
الكيد: التّدبير الّذي فيه مكروه لمن دبّر ضدّه، ويطلق الكيد على الحرب، وعلى إعداد وسائلها، وعلى الحيلة.
وكان ما عزم عليه إبراهيم عليه السّلام في نفسه، ودبّره بعد ذلك؛ أن يحطّم أصنامهم في المكان الكبير الجامع لأنواعها.
بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) : أي: في اليوم الّذي تكونون فيه بعيدين عن مدينتكم، وخارجين مدبرين مبتعدين عن أسوارها، أو عمّا حولها من مزارع، إذ تكون مدينتكم خالية ممّن يراقب ما يجري في بيت أصنامكم.
وكان لهم يوم عيد يخرجون فيه من مدينتهم إلى مكان واسع جامع، بعيد عن حدودها، يفعلون فيه ما يفعل النّاس في أعيادهم من لهو ولعب وزينة وأكل وشرب ونحو ذلك.
وسنحت لإبراهيم عليه السّلام الفرصة في ليلة من اللّيالي الّتي يكون بعدها يوم من أيّام أعيادهم الكبرى، الّتي يخرج فيها كلّ أهل المدينة للمشاركة في هذا العيد، فنظر نظرة في النّجوم فقال: إنّي سأكون غدا سقيما لا أستطيع أن أشارك في هذا العيد القومي.
فأسرع في اليوم الّذي خرج فيه أهل المدينة إلى عيدهم، فلمّا رأى المدينة خالية من أيّ رقيب يراقب حركته؛ ذهب إلى بيت أصنامهم، فدخله دون أن يشعر به أحد، وجعل يحطّم الأصنام باستثناء أكبرهم.
قول اللّه تعالى مبيّنا ما فعل عليه السّلام بأوثانهم: