معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 324
فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) :
[الجذاذ] : المقطّع المكسّر. وكذلك [الجذاذ] بكسر الجيم.
أي: فجعل الأصنام قطعا مكسّرة، باستثناء أكبرها، لم يكسّره، رغبة في أن يرجعوا إليه فيسألوه: من كسّر سائر الأصنام، فلا يجدوا عنده جوابا، فيعلموا أنّهم على باطل، بدليل عمليّ، إذ لم يستطع كبير الأصنام الّتي يعبدونها متوهّمين أنّها تجلب نفعا أو تدفع ضرّا؛ أن يعلمهم بمن حطّم سائر الأصنام، فضلا عن أنّه لم يستطع أن يدافع عنها، ويحميها من التّحطيم والتّكسير.
وحين عاد قومه من عيدهم وجدوا أصنامهم في البيت الكبير لها جذاذا، باستثناء أكبرها حجما، أو أكبرها في الإلهيّة، فاشتدّ غضبهم على من كسّر وحطّم أصنامهم الّتي يعبدونها من دون اللّه تعالى، فتساءلوا فيما بينهم: من فعل هذا بآلهتنا؟.
قول اللّه تعالى:
قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (60) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) :
أي: فاجتمع علية قوم إبراهيم عليه السّلام وكبراؤهم، بعد أن شاهدوا أصنامهم محطّمة، فقال بعضهم لبعض: من فعل هذا التّحطيم والتّكسير بآلهتنا؟، ... إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) : أي: المتجاوزين حدود الحقّ والواجب الّذي يؤمن قومنا به. فأكّدوا قولهم بالمؤكّدات:"إنّ- والجملة الاسميّة- واللّام المزحلقة"، أي: بالمساويات لها في لغتهم.
فقال بعضهم: سمعنا فتى يذكرهم بسوء، ويقول: إنّها آلهة باطلة، وهذا الفتى يقال له: إبراهيم.