فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 326
بينهم وبين أنفسهم: إنّكم أنتم الظّالمون باتّخاذ آلهة لا تسمع ولا تبصر ولا تنطق، ولا تستطيع أن تحمي أنفسها ممّن يريد تكسيرها وتحطيمها.
لكنّهم بعد ذلك رجعت عوامل كبرهم، وانتصارهم لسوابق اختياراتهم وتقاليدهم، تنفخ في صدورهم، فانقلبت مفاهيمهم الّتي قوّمها التّنبيه الإبراهيميّ، فنكسوا على رؤوسهم، إذ صار أعلاهم وهو موضع جهاز العلم فيهم؛ في موضع أقدامهم، وهذا انتكاس جعلهم أضلّ من الأنعام.
قول اللّه عزّ وجلّ:
ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (65) قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (67) :
جاء إطلاق عبارة: ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ على سبيل الاستعارة، للدّلالة بها على انقلاب مفاهيمهم إلى ما كانت عليه، قبل أن يقوّمها ويجعلها سويّة معتدلة غير منكّسة؛ تنبيه إبراهيم عليه السّلام لها.
التّنكيس: قلب الشّيء، وجعل أعلاه أسفله، أو جعل أعلاه يميل شيئا فشيئا إلى أسفله.
نكسوا على رؤوسهم: أي: قلبوا فجعلت رؤوسهم في مواضع أقدامهم، وجعلت أقدامهم في مواضع رؤوسهم، على عكس الوضع الطبيعيّ للنّاس.
شبّه انقلاب مفاهيهم إلى الباطل؛ بحالة تنكيس رؤوسهم، واستعير هذا التّنكيس للدّلالة على انقلاب مفاهيهم إلى الباطل.
ودلّ العطف بحرف العطف"ثمّ"على أنّهم استمرّوا مدّة متراخية