معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 362
بجميع الأنبياء والمرسلين، صلوات اللّه وسلاماته عليهم أجمعين، لا يفرّق في الإيمان بين أحد وآخر منهم، ولكن يعمل بمقتضى آخر تنزيل أنزله اللّه لعباده، مبيّنا تعاليم الدّين الّذي اصطفاه اللّه للنّاس.
وإيجازا لهذا الواقع الّذي خالف به أتباع الأديان أمر اللّه بأن يكونوا أمّة ربّانيّة واحدة؛ قال اللّه عزّ وجلّ في سورة (الأنبياء/ 73 نزول) :
وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ... (93) : أي: وجعلوا لأنفسهم ولاءات لأديانهم المحرّفة، وتفاصلوا فيما بينهم أمما متفرّقة، وأحزابا متعادية متخالفة، وخرجوا عن صراط الأمّة الرّبّانيّة الواحدة.
وأنذرهم اللّه بعقاب أليم يوم الدّين بأسلوب كنائيّ فقال تعالى:
كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (93) .
وزاد الأمر بيانا في سورة (المؤمنون/ 23 مصحف/ 74 نزول) فقال اللّه عزّ وجلّ فيها:
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (55) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (56) :
زُبُرًا: أي: قطعا متفرّقة خارجة عن صراط الأمّة الرّبّانية الواحدة، أي: قطعا. الزّبرة: القطعة من الحديدة، والجمع: زبر.
والزّبر: جمع زبور وهو: الكتاب المزبور، أي: المكتوب.
كُلُّ حِزْبٍ: الحزب: الجماعة المتّفقة المتناصرة على أمر ما، والجماعة الّذين تشاكلت مبادئهم وأهواؤهم.
فِي غَمْرَتِهِمْ: الغمرة: الضّلالة الّتي تغمر صاحبها.
أي: فتقطّع المنتمون إلى الرّسل- عليهم السّلام- قبل بعثة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم أمرهم بينهم قطعا متفرّقة خارجة عن الأمّة الواحدة، وكوّنوا أحزابا متعادية