معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 387
فَإِنْ تَوَلَّوْا: أي: فإن أداروا لدعوتك ظهورهم وابتعدوا، ولم يستجيبوا وأصرّوا على كفرهم وشركيّاتهم.
فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ: آذنتكم: أي: أعلمتكم.
على سواء: أي: على أمر هو سواء بيننا وبينكم، أي: مستو بيننا وبينكم، لا نعطيكم فيه إلّا ما تعطوننا أنتم فيه.
ولدى التّفكّر في هذه المرحلة الّتي نزلت فيها السّورة، من مراحل الدّعوة المكيّة الّتي قاربت على الانتهاء؛ ندرك أنّ الأمر الّذي يحسن أن يعلن بين الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمين من جهة، وبين أئمّة الكفر والشّرك من الجهة المقابلة، هو الإعلام بالمقاطعة والمفاصلة والشّقاق بين الفريقين، فقد استنفدت دعوة الحقّ معظم وسائلها، ولم يبق للملاينة جدوى، وصار إعلان المفارقة والمفاصلة والمقاطعة، هو الأمر الّذي ينبغي أن يلجأ إليه.
فالمعنى: فقل يا محمّد لأئمّة الكفر والشّرك في مكّة: لم يكن منكم بعد العلاج الطّويل إلّا الإدبار والابتعاد والمشاقّة، لهذا أعلمتكم بشدّة أنّنا وإيّاكم على أمر سواء من المقاطعة والمفاصلة والشّقاق، فلا تلاقي بينكم وبيننا على مائدة دعويّة، لقد اتّخذتمونا أعداء، فنحن نعاملكم بالمثل فنتّخذكم أعداء.
وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (109) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (110) :
إنّ إعلان المفاصلة والمقاطعة والشّقاق، بين فئة المؤمنين المسلمين، وبين أئمّة الكفر والشّرك في مكّة إبّان تنزيل هذه السّورة؛ يحرّك نفوس أئمّة الكفر والشّرك أن يقولوا للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم: إذا كنت قد يئست من استجابتنا لدعوتك، وأعلنت مفاصلتنا ومقاطعتنا والإعراض عن دعوتنا؛ فمتى يتحقّق ما كنت تنذرنا به من عقاب اللّه المعجّل في الدّنيا، بعد أن