معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 446
فَإِذا جاءَ أَمْرُنا: أي: فإذا جاءت مقدّمات تنفيذ أمرنا بإهلاك ظالمي قومك غرقا:
وَفارَ التَّنُّورُ: التّنور: هو الفرن الّذي يخبز فيه، وروي عن عليّ بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه: أنّ التّنور وجه الأرض، وجاء في اللّغة أنّ كلّ مفجر ماء تنّور، وكلّ هذه المعاني صالحة.
أي: وفارت العيون فورانا زائدا عن عادتها، وفار وجه الأرض بالماء من المواقع الّتي لم تكن تتفجّر فيها عيون الماء، حتّى الأماكن البعيدة عن مواطن العيون، كالمخابز فارت أيضا بالماء.
يقال لغة:"فار الماء، يفور، فورا، وفورانا"أي: خرج من الأرض وجرى متدفّقا، فهو"فوّار".
فَاسْلُكْ فِيها: أي: فأدخل في الفلك بانتظام وإحكام.
مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ: أي: من كلّ نوع من الأحياء الّتي يهمّك حمله للتّكاثر عند الهبوط من الفلك إلى الأرض اليابسة؛ زوجين، أحدهما ذكر والآخر أنثى.
وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ: أي: واسلك في الفلك أهلك كلّهم إلّا من سبق عليه القول الصّادر عنّا بأنّه من المغرقين، لأنّه لم يؤمن وبقي على دين قومه، ودلّ نصّ في القرآن المجيد؛ على أنّ أحد أولاد نوح عليه السّلام كان من المغرقين، وأنّه كان من أهله نسبا، لكنّه بكفره قطع حقّه في أن يكون من أهل نوح عليه السّلام.
وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) : أي: ولا تخاطبني يا نوح في رفع هذا العقاب عنهم، أو إمهالهم، أو التخفيف عنهم، أو نحو ذلك، فأمر إهلاكهم جميعا صار قضاء مبرما، وطريقة إهلاكهم ستكون إغراقا بالماء، مع أنّهم في برّ آمن من الغرق بحسب العادة.