معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 477
فليس شيء منها هو الباعث على الكفر والتّكذيب. بل جاءهم بالحقّ الذي يخالف أهواءهم وشهواتهم ورغبات نفوسهم، وأكثرهم الضاغطون على بقيّة مجتمعهم لهذا الحقّ كارهون، فهم غير مستعدّين لقبوله، وترك ما هم منغمسون فيه من متاعات الحياة الدّنيا المسخطة للّه ربّهم.
القضيّة السّادسة: دلّ عليها قول اللّه تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ...:
أي: ولو اتّبع اللّه الحقّ أهواءهم- ولن يتّبعها- لفسدت السّماوات والأرض ومن فيهنّ، من ملائكة وإنس وجنّ، لأنّ أهواء النّاس لا حدود لها، ولكلّ واحد من الأهواء ما يتعارض مع أهواء الآخرين، ولنجم عن ذلك ما ينجم عن تعدّد الأرباب، وهو فساد في نظام الكون كلّه، وفساد في نظام الكائنات الحيّة في السّماوات والأرض.
لكنّ اللّه الحقّ لا يمكن أن يتّبع أهواء النّاس، بل يختار بحكمته لكلّ شيء ما يحقّق صلاحه، ويمنع عنه الفساد، وكذلك ما يختاره من أحكام الدّين وشرائعه وتعليماته.
القضيّة السابعة: دلّ عليها قول اللّه تعالى: بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71) :
أي: بل أتيناهم بالقرآن الّذي هو ذكرهم في كلّ القضايا الّتي تنفعهم في دنياهم وآخرتهم، لكنّهم عاندوا فهم عمّا يجب أن يكون ذكرا مذكّرا لهم بما ينفعهم في عاجل أمرهم وآجله: معرضون.
الإعراض: حالة وسطى بين الإقبال والإدبار، وهو يدلّ على عدم مبالاتهم وعدم توجّههم للانتفاع بشيء من القرآن المنزّل لهدايتهم وهداية الناس أجمعين.
القضيّة الثامنة: دلّ عليها قول اللّه تعالى خطابا لرسوله: أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72) :