فهرس الكتاب

الصفحة 873 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 179

إنّ اللّه جلّ جلاله صمد، لا يتّحد بذاته شيء هو من غير ذاته، ولا ينفصل عن ذاته جزء هو من ذاته، فهو لم يلد ولم يولد.

وكلّ الأحياء التي خلقها في كونه مملوكة له، فهم عباده، هو خالقهم، وهو مالكهم، وهو المتصرّف بهم على ما يشاء، وقد خلقهم بكلمة التكوين.

والّذين زعموا أنّ الملائكة بنات اللّه قد جعلوا بالكذب والافتراء للّه من عباده الّذين خلقهم جزءا، فالمنفصل عن شيء بالولادة هو جزء من الشّيء الّذي انفصل عنه، والجزء المنفصل عن الشيء لا بدّ أن يحمل شيئا ما من خصائص الأصل الذي انفصل عنه.

لكنّ اللّه عزّ وجلّ منزّه بذاته عن أن يدخل في ذاته شيء فيتّحد بها، ومنزّه عن أن ينفصل عن ذاته جزء، فيكون له وجود منفصل.

إنّه أحد، إنّه صمد، إنّه لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد.

فنبّه هذا النّصّ بهذه الآية، على أنّه يستحيل عقلا أن يكون للّه الأزليّ الأبديّ جزء قابل لأن ينفصل عنه، وتكون له ذاتيّة خاصّة.

وقد غابت هذه الحقيقة عن معظم المفسرين، فلم يولوها العناية الكافية من البيان والشرح.

وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا: أي: ووصفوا اللّه بأنّ له ذرّيّة انفصلت عنه، فجعلوا بهذا الوصف المفترى عليه بعض عباده الذين خلقهم بأمر التكوين جزءا منفصلا عن ذاته سبحانه وتعالى.

فعل"جعل"مستعمل هنا بمعنى إسناد حكم باطل إلى اللّه عزّ وجلّ، وهذا أحد المعاني الّتي استعمل للدّلالة عليها هذا الفعل في القرآن.

وهذا ينطبق على الذين زعموا أنّ الملائكة بنات اللّه، وعلى الذين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت