فهرس الكتاب

الصفحة 8734 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 509

إنّهم يجيبون بحسب تصوّرهم السّائل لهم من الملائكة فيقولون له:

لَبِثْنا: أي: أقمنا بحسب تصوّرنا، لأنّنا كنّا فاقدين الإحساس بمرور الزّمن، يوما أو بعض يوم، فلا تسألنا نحن، ولكن اسأل العادّين القادرين على الإحساس بمرور الزّمن من الأحياء، كأهل الملأ الأعلى من الملائكة.

فيقول لهم الملك المأمور بسؤالهم:

إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) :

أي: ما لبثتم مهما طال زمن مكثكم موتى في باطن الأرض إلّا زمنا قليلا بالنّسبة إلى أزمان الدّهر، وبالنّسبة إلى الخلود الّذي ستخلدونه في الآخرة، وأنتم كنتم قادرين على إدراك هذه الحقيقة في حياة الامتحان، لو كنتم تعلمون وتؤمنون بأنّكم مبعوثون ومجازون جزاء خالدا في أزمان متواليات لا نهاية لها.

قول اللّه تعالى مبيّنا لهم وهم في حياة الابتلاء:

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) :

العبث: العمل فيما ليس له فائدة ترجى، ولا غاية يقصد تحقيقها الحكماء، أهل العقل والرّشد، فكيف يتّهم بالعبث ربّ العالمين؟!.

إنّه لو لم يكن في خطّة التّكوين حياة أخرى، يتحقّق فيها جزاء الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الامتحان؛ لكان خلق ذوي الإرادات الحرّة في هذه الدّنيا عبثا من العبث الّذي يتنزّه الخالق البارئ عنه، وتصوّر هذا من قبل الممتحنين اتّهام للّه بما هو مستحيل عقلا بالنّسبة إليه، وهو كفر شنيع بصفات جليلات من صفات كماله، يستحقّ صاحبه الخلود في عذاب النّار يوم القيامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت