معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 530
محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، وليس كلاما من كلامه ولا عملا من أعماله، ولا منقولا من كتاب سابق.
ولفظ: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مبتدأ معرّف بالإضافة إلى الكتاب، وخبره مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ: أي: كائن هذا التّنزيل من لدن ربّ العالمين، كلّ العالمين، اللّفظ الشّامل: للملائكة، والإنس، والجنّ، وكلّ ما خلق اللّه في كونه، من أقاضيه إلى أقاصيه.
لا رَيْبَ فِيهِ: أي: حالة كونه لا شكّ فيه، فالرّيب هو الشّكّ.
ونفي الشّكّ عن القرآن يدلّ على معنيين:
المعنى الأوّل: أنّ كلّ ما فيه من بيان هو حقّ، فليس في قضيّة من قضاياه باطل، أو مشكوك فيها، لتردّدها بين الباطل والحقّ، لدى النظر الفكريّ المتجرّد غير المتأثّر بالأهواء.
وهذا المعنى تشهد له نصوص قرآنيّة كثيرة، منها قول اللّه عزّ وجلّ خطابا لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في سورة (النّساء/ 92 نزول) :
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا (105) .
المعنى الثّاني: أنّ القرآن لا شكّ في كونه منزّلا من ربّ العالمين، وهذا المعنى يفهم باللّزوم الفكري، ويدلّ عليه أنّ كلّ بيان جاء فيه هو حقّ، إذ لو كان من عند غير اللّه لوجد النّاس فيه اختلافا كثيرا عن مطابقة الحقّ في بيانات كثيرات من بياناته.
قول اللّه تعالى:
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) :