معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 552
إنّ المؤمنين والفاسقين الكافرين؛ لا يستوون في حكمة اللّه السّامية، وعدله في الجزاء.
أَمَّا حرف فيه معنى الشّرط والتّوكيد، وفيه هنا معنى التّفصيل، وهي نائبة عن أداة الشّرط وجملته.
أي: أمّا الّذين آمنوا بما أمر اللّه بالإيمان به وعملوا من الصّالحات ما يعبّر عن صدق إيمانهم وصحّته؛ فقد أعدّ اللّه لهم جنّات أرضها مسكنهم الأبديّ الخالد، وفيها ضيافة اللّه العظيمة لهم، وهذا قد أعدّ لهم بسبب ما كانوا يعملون في حياة الامتحان من صالحات ترضي اللّه عزّ وجلّ من عباده.
وأمّا الّذين فسقوا بالكفر بما أمر اللّه بالإيمان به، ويلزم من كفرهم أن يعملوا السّيّئات الكبيرات؛ فقد قضى اللّه عليهم بأن يكون مكان إقامتهم دار العذاب النّار يوم الدّين. وهم يحاولون الخروج من النّار، لكنّهم كلّما أرادوا أن يخرجوا منها؛ أعيدوا إكراها حتّى يكونوا في وسطها، ويقال لهم من قبل الملائكة الّذين يعيدونهم فيها: ذوقوا عذاب النّار الّذي كنتم في حياة الامتحان به تكذّبون عنادا وإصرارا على الباطل، واتّباعا لشهوات نفوسكم، ورغباتها من متاعات الحياة الدّنيا.
قول اللّه تعالى متابعا بيان عذاب الّذين فسقوا من دركة الكفر:
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) :
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ: اللام واقعة في جواب قسم منوي، فالفعل مؤكّد بقسم مقدّر، وبنون التّوكيد الثّقيلة. أي: ونقسم لنجعلنّهم يذوقون من العذاب الأدنى.
مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى: أي: من العذاب الأقرب، وهو ما ينزله اللّه بهم من العذاب في الحياة الدّنيا قبل موتهم، وطوي في النّصّ