معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 560
جعلناه سببا لنبات الزّرع زرعا مختلف الأنواع والأصناف، وهذا الزّرع الّذي ننبته تأكل منه أنعامهم وسائر الحيوانات الّتي تأكل من نبات الأرض، ويأكلون منه هم أنفسهم وسائر النّاس.
أَفَلا يُبْصِرُونَ (27) ؟؟!: أي: أنطمست أبصارهم، فهم لا يبصرون هذه الظّواهر من آياتنا العظيمة في كوننا الّذي هو خلق من خلقنا، وكلّ حدث فيه هو خلق من خلقنا، ولو أنّهم تفكّروا فيما تدلّ عليه آياتنا في كوننا، وأرادوا الإيمان بالحقّ ونجاة أنفسهم من عذابنا، لآمنوا بربوبيّتنا الّتي لا شريك لنا فيها، وبإلهيّتنا الّتي لا شريك لنا فيها، ولآمنوا برسولنا، وبالقرآن الّذي أنزلناه عليه، ولاجتهدوا في طاعتنا بفعل ما أمرناهم به، وترك ما نهيناهم عنه، على مقدار ما يستطيعون، أو يتيسّر لهم ممّا يعبّرون به عن صدق إيمانهم.
قول اللّه تعالى متابعا علاج الكفرة المكذّبين:
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) :
الْفَتْحِ: يراد به هنا نصر الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين على الكفرة المكذّبين.
لقد فهم الكفرة المكذّبون، من طائفة من آيات القرآن في نجوم التّنزيل؛ أنّ اللّه سينصر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم والّذين آمنوا به واتّبعوه من أصحابه عليهم، وهم يرون أنّ المشركين هم الجماعة الأقوى عدّة وعددا، فصاروا يكرّرون على جماعات المؤمنين ساخرين ومستهزئين قولهم: متى يكون هذا النّصر لكم علينا، وأنتم لا تملكون من وسائله عدّة ولا عددا، بل نحن مالكو هذه الوسائل، ولو نهضنا لحربكم فإنّنا نستأصلكم.
ولم يكن من الحكمة الإشارة إلى تحديد زمن يتحقّق فيه نصر