فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 586
دلّت هذه الجملة بطريق إيمائيّ؛ على أنّ الملحقين من الذّرّيّات بأصولهم ذوي الدّرجات المرتفعات في جنّات النّعيم؛ كانوا محبوسين بما كسبوا من خطايا في رحلة امتحانهم، حتّى قضى اللّه بشأن كلّ امرئ منهم بالعقاب أو بالغفران، وحتّى نفّذ فيه قضاء اللّه.
هذه الآية (21) جاءت معترضة ضمن بيان اللّقطات المختارات من ثواب المتّقين الّذين أبان اللّه عزّ وجلّ أنّهم في جنّات ونعيم.
قول اللّه تعالى متابعا بيان اللّقطات المختارات من ثواب المتّقين:
وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (22) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (23) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (24) :
وَأَمْدَدْناهُمْ: أي: وتابعنا إيتاءهم زيادات، إمدادا لهم بفاكهة على أنواعها وأصنافها، ولحم على أنواعه وأصنافه، ممّا، يشتهون أكله منهما، وأشهى اللّحوم لحم الطّير.
يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (23) :
يَتَنازَعُونَ فِيها أي: يتجاذبون في الجنّة من إيناس بعضهم لبعض.
كَأْسًا: الكأس: القدح ما دام فيه الخمر، فإذا لم يكن فيه خمر فهو"كوب".
لا لَغْوٌ فِيها: أي: لا يوجد عند شربهم لها كلام لا يعتدّ به، ولا دلالة له ولا معنى يقصد به، كما يكون عند شرّاب خمور الدّنيا من لغو يدلّ على أنّ عقولهم الضّابطة لتصرّفاتهم مسلوبة، بخلاف خمر الجنّة ففيها لذّة الخمر على أكمل صفاتها، ولكن ليس فيها غول يغتال العقول، كخمر الدّنيا، ويجعل شاربيها تنطلق من ألسنتهم سفاسف أقوال، ولغو لا نظام له، وباطل ومنكر.