معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 650
مَا الْحَاقَّةُ: استفهام تعجيبيّ من عظمة أحداث القيامة، واليوم الآخر، والحياة الأخرى، وما يجري فيها وما يكون فيها بعد البعث.
أي: أعظم متعجّبا أيّها المتفكّر الرّشيد؛ بما يدلّ عليه لفظ"الحاقّة"من أحداث وكائنات ودار للمتّقين، وأخرى للمجرمين، وبعث، وحشر، وحساب، وفصل قضاء، وتنفيذ جزاء.
وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ:"وَ ما أَدْراكَ"أي: وأيّ شيء أعلمك؟، فلفظ"ما"اسم استفهام يستفهم به عن حقيقة الشيء وماهيّته، وهي جملة مؤلّفة من مبتدأ وخبر.
"ما الحاقّة"؟! أي: أيّة كائنات وأحداث جسام؛ سوف يشهد الموضوعون في الحياة الدّنيا موضع الامتحان بعد البعث إلى الحياة الأخرى، وهي جملة مؤلّفة من مبتدأ، هو:"ما"الاستفهاميّة التّعجيبيّة، وخبر هو:"الحاقّة".
وجملة"ما الحاقة"في محلّ نصب سدّت مسدّ مفعولين، والتّقدير:
وما أدراك معلما إيّاك عظمة الحاقّة وجسامة أحداثها.
والاستفهام في عبارة: وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ وكذلك نظيره في مثلها؛ يتضمّن معنى نفي علم المخاطب بما هو مسؤول عنه، أي: أنت لا تدري مهما انطلق بك الخيال في المدى الّذي بلغته في العظمة الكبرى: الحاقّة، إلّا إذا أعلمناك بذلك، أو أشهدناك مشاهدها، وفي هذا دلالة كافية على أنّ عظمتها فوق ما يستطيع النّاس تصوّره.
وقد تكرّر في القرآن المجيد مثل هذا الاستعمال حتّى صار معلوما أنّه أسلوب من أساليب التّعظيم والتّكبير والتّعجيب.
ولدى التحليل التّدبّري يظهر أنّه صيغة من صيغ التّعجيب القرآنيّة المبتكرة، ضمن أصول اللّسان العربيّ، وهي أبلاغ من صيغتي التّعجّب والتّعجيب:"ما أفعله"! و"أفعل به"!.